إن ذاكرة التاريخ المعاصر تسجل السبق والمبادرة لقادة الخضر الأوائل في أوروبا، في النضال لأجل وضع قضايا بلدان الجنوب على أجندة اهتمامات شعوب الشمال. ففي حين كان الصراع يحتدم بين قمم الحضارة في نهايات القرن التاسع عشر من أجل الاستئثار بأقصى ما يمكن الوصول إليه من موارد كوكبنا الأرضي، لم تكن شعوب الجنوب سوى وقودًا وأدواتٍ للاستهلاك في هذه الصراعات. وكانت النتيجة المباشرة لهذه الصراعات أن ظلت شعوب الجنوب لفترة طويلة تعاني الإهمال والازدراء والتجاهل والتمييز العنصري.
إن رحلة طويلة امتدت لأكثر من نصف قرن، قام بها قادة أحزاب الخضر في الشمال، كانت حافلة بجهود عظيمة لهم نحو تبني قضايا شعوب الجنوب. هذه الجهود لم تُسفر فقط عن خلق مناخ من التعاطف العام لدى شعوب الشمال لكافة قضايا الجنوب، بل تجاوزت ذلك حتى أصبحت أداة ضاغطة بقوة على المجتمع الدولي. هذا أدى إلى اهتمامات مكثفة للأمم المتحدة في تيسير وتسهيل وتصميم الاتفاقيات العديدة التي تهدف إلى دعم التعاون فيما بين عالم الجنوب–الجنوب، وكذا الجنوب–الشمال. هذا التعاون الذي يؤثر إيجابًا في النهوض بالتنمية المستدامة وتحقيق التعافي التمويلي للبلدان النامية والأقل نموًا.
إن كثيرًا من النتائج الإيجابية الراهنة، سواء نتيجة لجهود الخضر الأوروبيين الأوائل أو للعديد من جهود الأمم المتحدة، تبدو غير محسوسة على المستوى الشعبي الجنوبي، إلا أن النظرة الموضوعية لهذه الجهود تكشف أن مناخ العلاقات الدولية لم يكن يسمح بمزيد من رفاهية العدالة والإنصاف لصالح بلدان الجنوب. هذه حقيقة لا يمكن إنكارها حين ندعو إلى تقييم موضوعي لكل الجهود السابقة.
ففي ظل التشرذم الجنوبي، وفقدان الثقة، وغياب الدعم الشعبي للمبادرات الدولية، والعرقلة المتعمدة لنشر ثقافة الديمقراطية بين شعوب الجنوب، هذه أسباب حدّت كثيرًا من العائد الإيجابي للجهود التي بذلتها كل الأطراف. إن رصدًا متأنيًا لمدى ما يحققه خضر الجنوب مؤخرًا من تقدم في قيادة طموحات شعوبهم يكشف عن تراجع حاد، أحد أسبابه يبدو في الإحباط الذي أصاب خضر الشمال في تبني قضايا الجنوب كنتيجة لتراكمات سلبية في أداء خضر الجنوب. لقد أصبحت قضايا الجنوب شعارًا ظاهريًا يحمله خضر الشمال، لكنه دون مضمون.
في نفس التوقيت، وبالتوازي، فإن أداء الأمم المتحدة أصابه كثير من التراخي في تبني قضايا الجنوب ووضعها بجدية على صدارة جدول أعمالها وفق إطار زمني طموح. لقد اكتفت الأمم المتحدة بتحقيق بعض المكاسب التنظيمية الشكلية التي تسمح بعضوية بعض بلدان الجنوب في بعض هياكل ولجان تسيير أعمال المنظمة الدولية دون فاعلية محسوسة. هذا هو الواقع الذي يحدث كنتيجة متوقعة لنظام أممي يفتقد النظرة الشاملة لتطوير الأداء الديمقراطي داخل المنظمة الدولية ذاتها.
إن صمت الأمم المتحدة إزاء ضبابية استثناء الوقود الأحفوري من ضمن السلع والخدمات التي تخضع لقواعد منظمة التجارة العالمية، رغم ما تعانيه البشرية من خطر التغير المناخي، وأيضًا ما يؤكده التاريخ والواقع من أن العمل بأحكام المادة (42) من الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة، بالرغم من تكريسها لأعمال العنف والدمار، إلا أنها فضلًا عن ذلك لا يُتصور عمليًا تفعيلها إلا تجاه بلدان الجنوب؛ تلك نماذج على حاجة المنظمة الدولية إلى دعم شعبي يعضد جهودها نحو فتح آفاق الأمل والعدالة بين أغنياء الشمال وفقراء الجنوب.
إن رغبة جامحة لدى شعوب الجنوب في تحقيق التنمية والنمو كي تتمكن من اللحاق بركب التقدم الشمالي، هذه الرغبات حققت النجاح في قليل منها، في حين فشلت في كثير منها. هذا ما أدى واقعيًا إلى تصنيف شعوب الجنوب ما بين بلدان عالم ثالث وأخرى أقل نموًا تستحق تقييمًا عادلًا بمسمى بلدان عالم رابع.
إن قضايا مشتركة للعالم الثالث والرابع، مثل ندرة الكفاءات العلمية والفنية التي تمثل عائقًا بشريًا في التنمية، هذه القضايا لا يجب التنقيب عن حلول لها في بلدان الجنوب بمعزل عن روابط لها في بلدان الشمال التي تعاني التعسف في استعمال مبدأ حق التنقل. إن نقص مصادر التمويل الخضراء أصبح عائقًا ماليًا خطيرًا أمام الإدارة الوطنية ببلدان الجنوب، لا يمكن إيجاد حلول بديلة له دون اعتبار لمخاطر التمويلات سيئة السمعة من المنظور الجنوبي للسيادة الوطنية.
إن عدم التوازن بين معدلات النمو السكاني ومعدلات النمو الاقتصادي كعائق ديموغرافي لا ينفصل عن ضرورة احتواء الثقافات المختلفة دون إخلال بقيم حقوق الإنسان. إن التخلف التقني الجنوبي كعائق تكنولوجي لا يُتصور حل له دون أن يشمل حقوق نقل المعرفة. إن تدني الممارسات الديمقراطية كأبرز صور التراجع الجنوبي لا يُتصور أن يتم تحديثها بمعزل عن فك طلاسم الفساد بكل أطرافه والشركاء فيه.
إن واقعًا مؤلمًا من تراجع طموحات شعوب الجنوب في كل القارات، والتدهور الحاد في الثقة العامة نحو تحقيق عالم يسوده العدل والمساواة والإنصاف والمساءلة، كل ذلك شكّل حجر الأساس لاتحاد خضر شمال أفريقيا لإطلاق مبادرته (صوت من الجنوب – منتدى الخضر الأفروآسيوي)، لتمثل ملتقى خضر الجنوب حول القضايا المشتركة لشعوبهم، بهدف وضعها على قمة أولويات أي محفل حواري للخضر، سواء جنوبي–جنوبي أو جنوبي–شمالي.
وعلى ذلك يعلن قادة أحزاب ومنظمات الخضر الموقعون أدناه إعلانهم على الأسس والمبادئ التالية:
أولًا: نحن نعلن أن منتدى الخضر الأفروآسيوي ليس بحزب أو منتدى أو منظمة أخرى، لكنه رمز جديد لوحدة الجنوب. نحن نتضامن معًا، ليس كمشاهدين سلبيين، ولكن كمشاركين فاعلين في تشكيل مستقبل أكثر استدامة لمنطقتنا وكوكبنا.
ثانيًا: نحن نؤكد أن مبادئ ميثاق الخضر العالمي الصادر في كانبرا عام 2001، وكل ما لحق به من تعديلات وتطويرات، هي مرجع رئيسي نلتزم به فيما نصدره من قرارات أو بيانات أو مواقف وإجراءات تنفيذية.
ثالثًا: نحن ننطلق من أرضية نستمد فيها قوتنا الدافعة من واقع الآلام والطموحات المشتركة لشعوبنا…
رابعًا: نحن نعلن أن مسعانا في دعوتنا «صوت من الجنوب – منتدى الخضر الأفروآسيوي» نحو تكثيف التعاون فيما بين بلدان الجنوب، ينطلق من التواجد على الأرض، ورصيد إيجابي من الخبرات السابقة، ودعمٍ وتأييدٍ مستمر مقدم إلى خضر الجنوب من خضر الشمال. فنحن نحرص على أن يكون تعاون خضر جنوب–جنوب مكمّلًا وليس بديلًا لتعاون خضر جنوب–شمال.
خامسًا: نحن نقرّ أن الأمم المتحدة هي الصيغة المثلى التي يمكنها أن تمارس دورًا جوهريًا للتقارب بين الشعوب، وتسعى لدعم أواصر التعايش السلمي المشترك بين أعضاء البشرية، مهما تخلل أداؤها بعض الإخفاقات.
سادسًا: نحن نؤمن أن الحق في التنمية هو حق إنساني عالمي لجميع الشعوب، وهو حق مسؤول ضمن حزمة حقوق والتزامات متكاملة ومتلازمة، في إطار واضح من نظام عالمي مسؤول وعادل ومنصف ومستقر وسلمي.
سابعًا: نحن نرصد اتساع الفجوة الاقتصادية بين بلدان الشمال وبلدان الجنوب، كنتيجة مباشرة للنظام الاقتصادي الدولي الراهن غير العادل لبلدان الجنوب، والذي يخلق أرضًا خصبة لفتح الباب على مصراعيه لاستعمار الديون.
ثامنًا: نحن ندرك أن جهودًا كثيرة بُذلت في خطط وإعلانات دولية من أجل القضاء على الفقر في بلدان الجنوب، لم تؤدِّ إلى نتائج ملموسة لافتقادها المشاركة المجتمعية الحقيقية، فضلًا عن أن جميع هذه الخطط والإعلانات أغفلت أن الفقر حالة اجتماعية ديناميكية تتفاقم باتساع الفجوة التكنولوجية بين الشمال والجنوب.
تاسعًا: نحن ندعم ونشدد على المطالب الرسمية لبلداننا في الجنوب وحاجاتها إلى توفير التمويل الكافي للتنمية بها، دون أن نخفي قلقنا مما نرصده من غياب لخطط تنمية واضحة يجري إقرارها بمشاركة شعبية حرة في هذه البلدان.
عاشرًا: نحن ندعو ونتعاون ونضم صوتنا إلى كافة المنادين بضرورة السعي لتقرير صيغة دولية لأسس عادلة ومنصفة حلًا لأزمة ديون الجنوب، تبدأ من الوفاء بالتزامات المساعدات الإنمائية، وتأسيس البنوك الدولية الخضراء، ووقف سريان فوائد هذه الديون، والربط بين إسقاطها وبين مشروعيتها السياسية والقانونية وجدواها الاقتصادية ومدى احترامها لاستدامة الموارد الطبيعية.
حادي عشر: نحن على قناعة أن مجموع الالتزامات المالية المقررة كنسبة مئوية من الدخل القومي الإجمالي للبلدان المتقدمة للمساعدات الإنمائية، والتي لم يتم الالتزام بها على مدى نصف قرن مضى، تشكل ديونًا مالية على تلك البلدان، يجب أن تجري بشأنها مقاصة مالية مع كافة بلدان الجنوب بنسبة مئوية متساوية فيما بينها.
ثاني عشر: نحن نحث وندعم ونتعاون مع كافة الجهود الشعبية في بلداننا، ومنفتحون للعمل مع كافة المنظمات الأهلية الدولية في سبيل الحد من التدفقات المالية غير المشروعة، والعمل على كشفها وتتبع ملاذاتها الآمنة، والسعي الدائم لحث المؤسسات الدولية نحو محاصرة هذه الأموال وردها إلى هيئات مكافحة الفساد في بلدانها الأصلية.
ثالث عشر: نحن نؤمن أن الصناعة هي محرك رئيسي للنمو الاقتصادي المتنوع في بلداننا، وتشكل قاعدة أساسية في تعظيم العائد من الموارد الوطنية المتاحة، بما يحد من شراهة استنزافها وتحجيم الأطماع في الاستحواذ عليها. وهذا هو أساس ما نسعى إليه من تغيير في النموذج الاقتصادي الراهن، حيث تكون التكنولوجيا بديلًا عن الغذاء مقابل الموارد.
رابع عشر: نحن نرقب ما تم رصده مؤخرًا من صعود تيارات سياسية متشددة في بلدان الشمال، ونقيّم هذا الصعود كرد فعل شعبي ينمو في هذه البلدان كنتيجة لما ضاقت به ذرعًا من قضايا الترانسفير. ونحن ندرك أن غضّ البصر الرسمي في الشمال عن النمو البطيء للحكم الرشيد في بلدان الجنوب قد يحقق في الوقت الراهن الفوز ببعض الصفقات التجارية، إلا أننا نؤكد أن ذلك في الأفق البعيد يزيد قضية الترانسفير تعقيدًا. ونحذر من أن يقابل هذا التعقيد نمو متزايد لدعاة التشدد شمالًا وجنوبًا، وندعم وندعو ونكرس جهودنا لإيقاف وتيرته الراهنة.
خامس عشر: نحن نؤمن بأن تعاون جنوب–جنوب على الصعيد الشعبي هو القوة الدافعة للتضامن فيما بين بلدانهم، ويسهم في رفاهها الوطني. كما أن هذا التعاون سيشكل الدعم القوي لفرض جدول أعمال جنوبي دولي ينبع من المصالح الجنوبية، ويشكل حائط صد للذود عن المصالح الوطنية في مواجهة تناقضات السياسة الدولية.
سادس عشر: نحن نؤكد على سعينا لتوجيه طاقاتنا لدعم مكتب الأمم المتحدة للتعاون بين بلدان الجنوب، وننشد التعاون معه، وندعو إلى استمرار دعمه لمشروعات التعاون بين بلدان الجنوب على صعيديها الشعبي والرسمي.
سابع عشر: نحن ندرك أن استيراد التكنولوجيا يعد أحد أهم أولويات بلدان الجنوب لخطط التنمية، إلا أننا نشدد على أن يتم ذلك في إطار قانوني يتضمن مسؤولية مصدّري التكنولوجيا عما ينجم عنها من أضرار بيئية بمفهومها الواسع، الذي يشمل انتهاك مبدأ استدامة الموارد والتكاليف الباهظة، وبالجملة كل ما يُعرف بالتلوث العابر للحدود. وفي هذا الخصوص، فإننا ندرك آمال شعوبنا وندعو للتفاعل معها بدور فاعل وبنّاء يضطلع به «اتحاد العلوم والتكنولوجيا والابتكار من أجل الجنوب».
ثامن عشر: نحن نقر أن كارثة تغير المناخ التي حلت بالبشرية هي نتاج صراع لا يعفي أحدًا من المساهمة فيه. فالنهم الشمالي للتنمية بلا حدود ما كان ليحدث لولا التقائه بنهم جنوبي لاستنزاف الموارد الطبيعية. ومن ثم، فإن دعوتنا من أجل تنمية مسؤولة يقابلها بذات الأثر الحث على ترشيد تجارة الموارد الطبيعية، وفي هذا الخصوص سنعمل بالتعاون مع كافة المنظمات الأهلية الدولية المعنية بحقوق الإنسان ومكافحة الفقر والتغير المناخي، على الوقف الكلي للاتجار بالموارد الطبيعية فيما دون نسبة تصنيع لها قدرها 25%.
تاسع عشر: نحن نؤمن أن المياه على سطح كوكب الأرض هي ملكية عامة شائعة، تتوارث البشرية حق الانتفاع بها. ومن ثم، فإن التدخل البشري في التغيير في نشأة المياه أو دورتها الطبيعية يشكل تهديدًا خطيرًا للبيئة عابرًا للحدود، نسعى ونحث على مواجهته بالتضامن العاجل بين جميع أعضاء المجتمع الدولي، وتفعيل أحكام المسؤولية الموضوعية بشأنه لإعادة الحال إلى ما درجت عليه الطبيعة.
عشرون: نحن نقر بالحقوق التاريخية التي تأسست عليها الأمم المتحدة، لكننا ندرك أن تطور البشرية وجنوحها إلى تطبيق قواعد أكثر إنصافًا وعدالة يتطلب تطويرًا في نظم الأداء داخل المنظمة الدولية. وإن المقترحات الأممية المتداولة لإضافة مقعد للجنوب ضمن المجموعة الدائمة بمجلس الأمن لن تحقق العدالة المنشودة ما لم تتساوى في قوتها واختصاصها بكافة حقوق الأعضاء الدائمين، وأهمها حق النقض. وهذه هي قناعتنا بنظام دولي أكثر عدلًا وأنجح تطبيقًا لديمقراطية دولية لا يشوبها شائبة.
وعلى ذلك، اتفق ووقّع المؤسسون لمبادرة
(صوت من الجنوب – المنتدى الأفروآسيوي للخضر)
على الوجه التالي: